الإنتقام الأخير - "ذكرى لا تموت" - بقلم سما | روايتك

اسم الرواية: الإنتقام الأخير
المؤلف / الكاتب: سما
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: "ذكرى لا تموت"

"ذكرى لا تموت"

كان ضوء الصباح يتسلل بهدوء عبر النوافذ الطويلة، لينعكس فوق أرضية الغرفة الخشبية الباهتة. امتلأ الهواء برائحة الدواء والمطهرات، ممزوجة برائحة المطر العالقة خلف الزجاج. كانت الغرفة هادئة أكثر مما ينبغي… دافئة بصورة غريبة، وكأن العالم الخارجي بعيد جدًا عنها. شعرت تورو بثقل يغرق أطرافها، وكأن جسدها مدفون تحت الرمل. حاولت فتح عينيها ببطء، لكن الضوء الأبيض فوقها اخترق رأسها بألم حاد، فأغمضتهما فورًا وهي تلهث بخفوت. بعد لحظات، فتحت عينيها مجددًا بصعوبة. سقف خشبي باهت. ستائر بيضاء تتحرك مع نسيم خفيف. وصوت صفحات تُقلّب بهدوء قرب النافذة. رمشت ببطء محاولةً تبديد الضباب الذي يملأ رأسها، قبل أن تنتبه إلى الشخص الجالس هناك. احتاجت لثوانٍ حتى تتضح ملامحه… ثم أدركت أنه الرجل الذي رأته قبل أن تفقد وعيها بعد عودتها مع داي ويوشيرو. كان طويل القامة، منحنيًا قليلًا فوق كتاب بين يديه، بينما انعكس ضوء الصباح الخافت فوق شعره الداكن المبعثر. حاولت تورو النهوض— لكن ألمًا حادًا اجتاح ذراعها فورًا. شهقت بخفوت وهي تنظر إلى الضمادات الملفوفة بإحكام حول يدها وذراعها. بدت مشدودة أكثر مما ينبغي… حتى شعرت وكأنها تخفي شيئًا أخطر من مجرد جرح. في تلك اللحظة، أغلق الشاب كتابه أخيرًا وقال بهدوء: "إن حاولتِ النهوض الآن فستسقطين مجددًا." التفتت إليه تورو بسرعة، بينما رفع عينيه نحوها للمرة الأولى. ابتسم بهدوء وقال: "صباح الخير" رفعت تورو يدها المصابة تتأملها لثوانٍ بصمت، قبل أن تسأله بقلق: "كيف وصلتُ إلى هذا المكان… وكم نمت بالضبط، و ايضاً من تكون؟" أجاب بهدوء وهو يستند إلى الكرسي خلفه: "اسمي هو اكاروي، انا قائد فريق داي و يوشيرو…لقد فقدتِ وعيك بعد أن عدت معهما للقرية، لذا أحضرتك إلى هنا." توقف قليلًا قبل أن يضيف: "وبقيتِ نائمة لثلاثة أيام متواصلة." اتسعت عينا تورو بصدمة خفيفة، قبل أن تحمر وجنتاها فجأة. أدارت وجهها بعيدًا قليلًا، ثم تمتمت بصوت خافت بالكاد سُمِع: "ما كان عليك فعل ذلك…" اكاروي استغرب و سألها: "هل كان يجب عليّ تركك مُغمى عليك قرب بوابة القرية؟" أضاف بهدوء: "داي أحدث فوضى كاملة هنا بالمناسبة." ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه قبل أن يتابع: "كان يبكي منذ الأمس تقريبًا… بعد أن أخبره أحد أعضاء فريقي أنكِ متِّ." بينما كان أكاروي يتحدث، تجمدت تورو فجأة. لثانية واحدة فقط… مرّت صورة مشوشة داخل رأسها. يد تربت فوق شعرها بلطف. وصوت هادئ يقول: "حتى لو نسيتِني يومًا ما  سأبقى الشخص الذي يحبكِ دائمًا." شهقت بخفوت وعادت إلى الواقع فورًا. همست بصوت مرتبك: "ماذا كان ذلك…؟" اتسعت عيناه قليلاً عندما لاحظ دموعها فسألها بهدوء: "لماذا تبكين؟" لكنها لم تستطع تذكر أي شيء آخر. ذلك الصوت كان دافئاً بصورة مؤلمة… رفعت تورو يدها ببطء تمسح دموعها المرتبكة، ثم حاولت إنزال قدميها من فوق السرير. لاحظ أكاروي حركتها فورًا، و سألها: "ماذا تفعلين؟" تجاهلت سؤاله وهي تحاول الوقوف بعناد، لكن ما إن لامست قدماها الأرض شعرت أن العالم دار حولها. ترنحت للأمام— وقبل أن تسقط، امتدت يد أمسكت بذراعها بسرعة. قال بقسوة :"قلت لكِ إنكِ ستسقطين." رفعت تورو رأسها بتوتر، لتدرك أنها أصبحت قريبة جدًا منه. اتسعت عيناها قليلًا، قبل أن تبتعد بسرعة وهي تحمر خجلًا. وفي تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة و دخلت الممرضة، اتسعت عيناها بصدمة واضحة قبل أن تقول: "أنتِ لا تفهمين حالتكِ إطلاقًا، أليس كذلك؟" اقتربت منها بسرعة وهي تضيف بنبرة مرهقة: "لقد بقيتِ فاقدة للوعي ثلاثة أيام كاملة، وأول ما تفعلينه بعد الاستيقاظ هو محاولة الوقوف؟" أعاد تورو أكاروي للجلوس على السرير بهدوء. بعد دقائق قليلة، انتهت من تبديل الضمادات وفحص إصابة تورو، قبل أن تغلق الملف الطبي بين يديها وتقول: "الجروح بدأت تستقر، لكن عليكِ الراحة لعدة أيام أخرى." ثم أضافت بعد لحظة قصيرة: "يمكنكِ مغادرة المستشفى غدًا إذا لم تسوء حالتك." تنهدت الممرضة أخيرًا، ثم فتحت الباب وغادرت الغرفة بهدوء، لتعود السكينة مجددًا. هيم الصمت على المكان، لم يبقى إلا صوت الرياح و الطيور التي في الخارج. أغلق اكاروي كتابه وقف و نظر الى تورو و ابتسم و قال: "بعد أن تشفي من إصاباتك انضمي الى فريقي…" هبت رياح قوية عبر النافذة نصف المفتوحة، فتحرك شعر تورو بخفة فوق وجهها. اتسعت عيناها بدهشة واضحة. تجمدت للحظة كاملة، حتى بدا وكأن الكلمات علقت داخل رأسها. همست متسائلة: "انضم إليكم؟ أنا؟" ساد الصمت للحظة، قبل أن يطلق أكاروي ضحكة خافتة وكأنه أدرك شيئًا ما: "دافعت عن يوشيرو و داي بالرغم إنك كنتِ تستطيعين الهرب" خيم الصمت على المكان. توقف أكاروي عند الباب للحظة، وكأنه أراد قول شيء آخر. لكن بعد ثوانٍ قصيرة، فتح الباب وغادر بصمت. عادت الغرفة ساكنة كما كانت… لكن لسببٍ ما، شعرت تورو أن المكان أصبح أكثر فراغًا بعد خروجه. استلقت تورو على السرير و رفعت يدها مجدداً و بدأت تتأمل يدها مجدداً. أنزلت يدها، ثم أغمضت عينيها ببطء. — عندما استيقظت مجددًا، كان ضوء الصباح أكثر دفئًا هذه المرة. انعكست أشعة الشمس فوق الأرضية الخشبية بهدوء، بينما تسلل هواء بارد خفيف عبر النافذة المفتوحة. سمعت صوت الباب يُفتح بهدوء، دخلت الممرضة وهي تحمل ملفها الطبي المعتاد. ابتسمت و نظرت إلى تورو وقالت: "يبدو أنكِ أفضل حالًا اليوم." جلست تورو بصعوبة فوق السرير، بينما بدأت الممرضة بفحص الضمادات حول ذراعها. كانت الممرضة تقول :"الحمّى اختفت، والجروح بدأت تلتئم بشكل جيد." لكن تورو كانت شاردة الذهن ولا تستمع لما تقوله، بل تفكر في كلام اكاروي. أغلقت الممرضة الملف بين يديها ثم أضافت: "يمكنكِ المغادرة اليوم… لكن لا تبذلي أي مجهود كبير." أومأت تورو بخفة، قبل أن تنظر نحو النافذة بصمت. أغلقت الممرضة الملف الطبي وغادرت الغرفة بهدوء، تاركة خلفها صمتًا خفيفًا امتزج مع صوت الرياح القادمة من النافذة. نظرت تورو إلى الضمادات حول ذراعها لثوانٍ، قبل أن تنهض ببطء شديد. استغرقت وقتًا أطول مما توقعت لترتدي ملابسها، وكأن جسدها ما يزال يرفض التصديق أنه قادر على الوقوف مجددًا. وفي النهاية، فتحت باب الغرفة وخرجت إلى الممر الطويل بهدوء. كان الممر شبه فارغ، لا يُسمع فيه سوى وقع خطواتها البطيئة وصوت الرياح التي تتسلل من النوافذ المفتوحة في آخره. تغمره أشعة شمس دافئة تسللت من النوافذ الطويلة الممتدة على الجدار. انعكس الضوء فوق الأرضية الخشبية اللامعة، حتى بدا المكان أكثر حياة مما تتذكره. تمسكت تورو بالجدار للحظة عندما اجتاحها الدوار مجددًا، ثم تابعت السير. مرّت بجانب عدة غرف مفتوحة. أصوات ضحك خافتة. أشخاص يجلسون قرب أسرّتهم يتحدثون مع عائلاتهم. طفل صغير يحتضن امه في الممر، توقفت تورو للحظة دون قصد. أخفضت نظرها بسرعة وأكملت السير، محاولة تجاهل ذلك الشعور الغريب الذي بدأ يزداد كلما رأت الوجوه حولها. وحيدة…كل شخص هنا… لديه أحد ينتظره. كانت الكلمة تمر داخل رأسها بهدوء مؤلم. خرجت أخيرًا من باب المستشفى، لتستقبلها أشعة الشمس الساطعة مباشرة. رفعت يدها قليلًا تحجب الضوء عن عينيها، بينما داعبت الرياح الدافئة شعرها الأبيض بخفة. مرت نسمة دافئة محملة برائحة الحقول والأخشاب القديمة. توقفت تلقائيًا وهي ترفع عينيها ببطء. كانت القرية هادئة بصورة جميلة. منازل خشبية متناثرة بين الممرات الترابية، أشجار طويلة تحيط بالمكان من كل جانب، بينما امتدت الحقول الخضراء بعيدًا خلفها حتى حدود الغابة. وفي وسط الطريق، كان الناس يتحركون ببساطة وهدوء. أما هي، فوقفت وحدها وسط الطريق دون أن تعرف إلى أين تنظر. شعرت فجأة بأن الضوضاء من حولها أصبحت بعيدة جدًا. وكأن هناك جدارًا غير مرئي يفصلها عن الجميع. راقبت بصمت فتاة صغيرة تركض نحو والدها فور رؤيته، ليحملها بسهولة بينما ضحكت بصوت عالٍ. وفي تلك اللحظة… شعرت بوخزة خافتة من الوحدة وهي تراقبهم. عاد ذلك الفراغ المزعج مجددًا. ذلك الإحساس الثقيل الذي يلاحقها كلما حاولت تذكر الماضي. هي لا تتذكر شيئًا تقريبًا… لا عائلة، ولا أقرباء، ولا شخص واحد يمكنها العودة إليه. حتى هذا المكان، رغم هدوئه، لم تشعر يومًا بأنه ينتمي إليها. وإذا غادرت فعلًا… فأين يمكن أن تذهب؟ بدا لها العالم واسعًا بصورة مخيفة… بينما كانت هي تقف فيه وحدها تمامًا. خفضت عينيها بسرعة وهي تشد أصابعها فوق الضمادات الملفوفة حول ذراعها. تمتمت: "…أنا وحدي فعلًا." خرجت الكلمات منها بصوت منخفض بالكاد سمعته هي نفسها. تابعت السير ببطء عبر الطريق الترابي، حتى وصلت إلى منزلها. بدت المنازل دافئة ومليئة بالحياة… ضحكات خافتة، أبواب تُفتح، وأشخاص ينتظر بعضهم بعضًا. أما تورو، فلم يكن لديها مكان واحد تشعر أنه ينتظرها. دخلت للمنزل و قالت: "لقد عدت" نزعت حذائها ببطئ ثم اغلقت الباب. ثم فجأة ظهرت قطة بيضاء وكانت تمشي في الممر برشاقة، اقتربت من تورو و بدأت تتمسح بقدمها ولكن تورو لم تتحرك من مكانها حتى. بعد ثواني معدودة القطة نطقت و سألت تورو قائلة: "ما بالك حزينة هكذا؟" تورو انحنت و ثم سألتها بهدوء: "كيف تمكنتِ ان تتسللي للمنزل و أيضاً منذ متى كانت الحيوانات تستطيع فهم لغة البشر؟" اجابت القطة:  "تربطني صلة قرابة مع صاحبة المنزل، انا اعتني بالمنزل في غيابها و ايضاً… انا لست قطة عادية بل انا وحش هيتسوي من الرتبة الأولى" تورو نهضت ثم تنهدت و قالت: "على الأقل لن ابقى وحيدة الآن" همست القطة:" إذا كنتِ لا تثقين بي فأنا قادرة على إعادة ذكرياتك لك" تورو كانت تمشي و القطة تلحق بها، همست تورو: " مستحيل؟" رفعت القطة رأسها ببطء. وفي اللحظة التالية، بدأ بريق أحمر داكن يتسلل داخل عينيها تدريجيًا. لسببٍ ما… شعرت تورو بأن المنزل أصبح أبرد. وفجأة_ انفجر الألم داخل رأسها بعنف. اهتز العالم حولها بعنف حتى فقدت القدرة على تمييز ما تراه. صوت زجاج يتحطم. صرخات متداخلة. ضوء أبيض قاسٍ يخترق عينيها. مختبر بارد بلا نوافذ. جدران معدنية خانقة. ورائحة معقمات ممزوجة بشيء يشبه الدم. ارتجف جسدها بعنف. قيود حديدية كانت تغرز في ذراعيها الصغيرتين، بينما ظلال أشخاص يقفون خلف الزجاج يراقبونها بصمت مرعب. ثم جاء ذلك الصوت مجددًا. بارد. خاليًا من أي رحمة. "لن تموت خلال التجربة… ستعاني قليلًا فقط." اتسعت عيناها بذعر. اختفت الصورة فجأة، لكن أخرى اندفعت مكانها بعنف أكبر. طفل صغير يبكي داخل زاوية مظلمة، يحتضن ركبتيه بقوة وكأنه يحاول الاختباء من العالم كله. توقفت أنفاسها للحظة. ذلك الصوت… همست بخفوت مرتجف: "هاكو…" شعرت بشيء يتمزق داخل صدرها فور أن نطقت الاسم. لكن الذكريات لم تتوقف. ظهر فتى آخر يقف أمامها بصعوبة، بينما الدم يغطي ملابسه وذراعه المرتجفة. رغم ذلك… كان يحاول الابتسام لها. صرخ بصوت متقطع: "اهربي يا تورو…!" ثم دوّى صوت وحش هائل مزق المكان. مخالب سوداء اندفعت نحوه بسرعة— وفي اللحظة التالية، غطّى الدم كل شيء. شهقت تورو بعنف وكأنها تشاهد موته للمرة الأولى من جديد. ارتجفت شفتاها دون وعي: "لا…" تراجعت خطوة للخلف، لكن الصور استمرت بالتدفق بلا رحمة. طفل يبكي وحيدًا داخل زنزانة باردة. فتاة تجلس بصمت بعينين فارغتين، وكأن روحها اختفت منذ زمن بعيد. صبي آخر يصرخ من الألم، بينما علامات زرقاء مخيفة تنتشر فوق جسده ببطء. ثم— ظهر وجه أخير. عينان مليئتان بالغضب والكراهية. كان يشير إليها بعنف وهو يصرخ: "لو لم يذهب لإنقاذكِ لما مات!" "ألا تفهمين؟!" "لا أحد يستطيع الهرب من هذا الجحيم!" شعرت تورو وكأن الكلمات انغرست داخل قلبها مباشرة. تراجعت بخطوات مرتجفة، لكن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها. سقطت على ركبتيها، بينما بدأت الدموع تنهمر من عينيها دون توقف. همست بصوت محطم: "أرجوكِ… توقفي…" "لا أريد تذكر أي شيء بعد الآن…" لكن الذكريات لم تتوقف. بل أصبحت أوضح. أقرب. وأشد قسوة. كأن جدارًا كاملًا تحطم داخل عقلها، تاركًا الماضي كله ينهار فوقها دفعة واحدة. أصوات. وجوه. صرخات. دماء. شعرت وكأن رأسها يغرق وسط فوضى لا نهاية لها. ثم… وسط تلك الفوضى المظلمة كلها— ظهر ضوء دافئ صغير. اختفت الأصوات تدريجيًا. واحدة تلو الأخرى. حتى لم يبقَ سوى صوت هادئ تعرفه جيدًا. اتسعت عينا تورو ببطء. امرأة تقف أمامها بابتسامة دافئة. صوتها وحده كان كافيًا ليجعل ذلك الرعب كله يتراجع للحظة. اقتربت منها بهدوء، ثم وضعت يدها فوق رأسها كما اعتادت دائمًا. وقالت بلطف: "ما دمتُ هنا… فلن أسمح لأحد أن يؤذيكِ." ارتجفت أنفاس تورو فجأة. همست بصوت متقطع: "معلمتي…" ثم انخفض صوتها أكثر، وكأنه يختنق بين دموعها: "أنا آسفة…" "لم أستطع حماية أحد…" ابتسمت المرأة بحزن خفيف، ثم قالت بهدوء: "إذن… لنترك الماضي خلفنا." "ونعش حياة سعيدة معًا." رفعت تورو يدها المرتجفة ببطء، وكأنها تحاول التمسك بها قبل أن تختفي. أرادت فقط أن تعانقها مرة واحدة. مرة أخيرة. لكن ما إن اقتربت أطراف أصابعها منها— انطفأ ذلك الدفء فجأة، وكأنه لم يكن موجودًا أصلًا. تجمدت يدها في الهواء. واتسعت عيناها بصدمة فارغة، بينما عاد الظلام يبتلع المكان من حولها. وفي تلك اللحظة— شعرت بشيء داخلها ينهار، لتبدأ دموعها بالسقوط بلا توقف، وكأن كل الألم الذي دفنته داخل قلبها لسنوات عاد للحياة دفعة واحدة ليسحقها من الداخل. عادت أخيرًا إلى الواقع. الرياح خلف النوافذ. خشخشة خفيفة داخل المنزل. لكن جسد تورو لم يعد كما كان. ارتجفت أصابعها بعنف، بينما اجتاح ألم حارق ذراعها المصابة فجأة. شهقت وهي تمسك كتفها فورًا. شيء ازرق ينتشر ببطء أسفل الضمادات… خطوط رفيعة تشبه التشققات، تتحرك فوق بشرتها وكأنها حيّة. اتسعت عينا القطة قليلًا. همست بصوت منخفض هذه المرة، خالٍ تمامًا من المزاح: "كنت أخشى أن يحدث هذا." شعرت تورو وكأن النار تسري داخل عظامها مباشرة. سقطت على الأرض وهي تلهث بصعوبة، بينما امتدت العلامات أكثر عبر كتفها وذراعها ببطء مخيف. حاولت النهوض… لكن ذراعها لم تعد تستجيب لها. تشوش بصرها تدريجيًا. بدأت الغرفة تدور من حولها مرة أخرى، لكن بصورة أسوأ من السابق. آخر ما رأته… كان انعكاس تلك العلامات الداكنة فوق جلدها المرتجف. ثم انطفئ كل شيء وفقدت وعيها. ___ نهاية الفصل ___